أبو سعد منصور بن الحسين الآبي
26
نثر الدر في المحاضرات
قيل : أهدى رجل إلى عمر - رضي اللّه عنه - جزورا « 1 » ، ثم خاصم إليه بعد ذلك في خصومة ، فجعل يقول : افصلها يا أمير المؤمنين كفصل رجل الجزور ، فاغتاظ عمر رضي اللّه عنه ، وقال : يا معشر المسلمين ؛ إياكم والهدايا فإن هذا أهدى إليّ منذ أيام رجل جزور ، فو اللّه ما زال يردّدها حتى خفت أن أحكم بخلاف الحكم . ولما حصر أبو عبيدة كتب إليه عمر رضي اللّه عنه : مهما ينزل بامرئ من شدة يجعل اللّه بعدها فرجا ، إنه لن يغلب عسر يسرين ، إنه يقول : اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [ آل عمران : الآية 200 ] . وقال : ثلاث يثبّتن لك الودّ في صدر أخيك : أن تبدأه بالسلام ، وتوسّع له في المجلس ، وتدعوه بأحبّ الأسماء إليه . وقال رضي اللّه عنه : من أفضل ما أعطيته العرب الأبيات يقدّمها الرجل أمام حاجته ، يستعطف بها الكريم ، ويستنزل بها اللئيم . وقدم معاوية عليه وهو أبضّ الناس ، فضرب عمر - رضي اللّه عنه - بيده على عضده ، فأقلع عن مثل الشّراب في لونه أو مثل الشّراك . فقال : إنّ هذا واللّه لتشاغلك بالحمامات ، وذوو الحاجات تقطّع أنفسهم حسرات على بابك . وقال لربيع بن زياد الحارثي : يا ربيع ؛ إنا لو نشاء ملأنا هذه الرّحاب من صلائق « 2 » وسبائك « 3 » وصناب « 4 » ولكني رأيت اللّه عزّ وجلّ نعى على قوم شهواتهم ، فقال : أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا [ الأحقاف : الآية 20 ] . وقال : علموا أولادكم العوم والرّماية ، ومروهم فليثبوا على الخيل وثبا ، وروّوهم ما جمل من الشعر ، وخير خلق المرأة المغزل . وقال : لو كان الصبر والشكر بعيرين ما باليت أيهما أركب .
--> ( 1 ) الجزور : الشاة المذبوحة . ( 2 ) الصليقة ، كسفينة : اللحم المشوي المنضج ، جمعه : صلائق . ( 3 ) السبائك : ما سبك من الدقيق فأخذ خالصه . ( 4 ) الصناب : صباغ يتخذ من الخردل والزبيب .